مقدمة :
الحمدلله والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين نبينا وحبيبنا محمد عليه وعلى آله أفضل الصلاة والتسليم،أما بعد :
فمنذ أن التقت جيوش التوحيد – تحمل راية لا إله إلا الله محمد رسول الله- بجيوش التثليث – تحمل راية الصليب – على أرض الشام ، منذ ذلك الوقت والصراع محتدم بين المسلمين والنصارى ولا يزال كذلك حتى ينزل المسيح عليه السلام فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويحكم بالإسلام، فلقد اشتد أوار الحروب الصليبية بين النصارى والمسلمين ، وعندما لم تفلح سلكوا أساليب ووسائل متعددة فكانت الخدمات الطبية وسيلة خطيرة اتبعوها ،وكان هناك وسيلة غاية في الخطورة ألا وهو موضوعنا التالي وهو الجانب الإعلامي وسيلة خدمت المنصرين في تحقيق مطامحهم ومآربهم ،حرصت فيه على الشمولية بحيث يأتي على جميع جوانبه كما حرصت على الاختصار قدر الإمكان ، أسال الله أن يكتب لي التوفيق والسداد في عرض وبيان أهمية هذه الوسيلة ، وقد جعلت الحديث عنها ضمن العناوين التالية :
أولا: المطبوعات :
“اهتم المنصرون باستخدام المطبوعات منذ زمن بعيد فقد ظهرت أول مطبعة عربية في أوروبا في مدينة (فانو) بايطاليا وهي التي صدرت عنها بعض الكتب النصرانية عام 1514 م” [1] .
سلك المنصرون في هذا المجال أساليب متعددة بدءا من نشر الكتاب المقدس ،وتأليف كتب لتكون بمثابة مراجع لكل باحث في الأمور الدينية إضافة إلى الصحافة والتي كانت منتشرة في القاهرة وبيروت حيث كانت هاتين العاصمتين تمثل موطنا للثقافة والعلم .
لذا فقد عمد المنصرون إلى استخدام وسائل الإعلام المطبوعة باختلاف أنواعها من كتب ونشرات وصحف ومجلات فعلى صعيد الكتب ،قد كانت لهم عناية خاصة بتوزيع الإنجيل بلغات المسلمين المختلفة لأنه أهم عمل مسيحي على انه قد تم جزء من هذه المهمة بعد أن طبع في بيروت 46 مليون صفحة من الكتاب المقدس [2].
ونظرا للدور الذي يلعبه هذا الجانب في مجال التنصير تخصصت بعض الإرساليات في مجال الطباعة والنشر بينها :
1) رابطة الإيمان لمساعدة الإرساليات .
2) منظمة نشر النصرانية في الشرق الأوسط ، وهي منظمة بروتستانتية[3].
3) دار النشر الفرنسية (سرف).
4) دار الهداية ومقرها (النمسا)[4].
“ولكي تحقق هذه المطبوعات الهدف المنشود منها فانه يجري توزيعها على أوسع نطاق ممكن وبأسعار زهيدة جدا أو مجانا ،ويتم توزيعها عبر العديد من المنافذ والوسائل مثل المكتبات في الكنائس والإرساليات والمدارس والمستشفيات والأندية أو المكتبات المحمولة على ظهر السفن أو العربات المتنقلة ، أو ترسل بالبريد كما يجري توزيعها يدويا بالمدارس والتجمعات المختلفة”[5].
كما أنهم سلكوا طرقا أخرى في التوزيع مثل إنشاء مكتبات لبيع الكتب في الظاهر ولتكون ستارا لإدارة أعمال التنصير وتوزيع منشوراته وكتبه ،أو عن طريق إرسالها بواسطة صناديق البريد [6].
عند البدء في استيراد بعض التجار للسيارات الأمريكية المستعملة كانوا يجدون في بعضها نسخا من الإنجيل ،فهل يا ترى الشعب الأمريكي ، متدين لدرجة أنك تجد في كل سيارة ، نسخة للكتاب المقدس؟أم هي خطة لغزو بلاد المسلمين ونشر الإنجيل فيها ؟ ولاشك بأن القاريء الواعي يدرك القصد والهدف من وراء ذلك .
ومما تجدر الإشارة إليه أنهم كانوا يستخدمون عناوين من داخل البلاد العربية إضافة إلى تغييرهم المستمر لتلك العناوين،حتى لا يفتضح أمرهم أو تسهل متابعتهم .
كما قام المنصرون بتأليف الكتب لتكون مراجع للبحوث الدينية ومنها على سبيل المثال :
أ- ميزان الحق وهو كتاب يقع في ثلاثة أجزاء .
ب- تنوير الأفهام في مصادر الإسلام .
ت- الصليب في الإنجيل والقرآن .
ث- دين المسيح لم ينسخ .
ج- شخصية المسيح في الإنجيل والقرآن[7] .
ومن الأساليب التي سلكها المنصرون أسلوب المسابقات حيث كانوا يقومون بإعداد المسابقات ، التي رصدت لها الجوائز المادية والعينية القيمة ، تنشر عبر إرسالها عن طريق البريد وتكون متضمنة لأسئلة تستلزم الإجابة عليها التعرف على موضوعات يحرص المنصرون على نشرها وتعليمها [8].
كما كان للمنصرين دورا بارزا في إنشاء الموسوعات العلمية الإسلامية ، والشرقية بوجه عام واتخاذها وسيلة لدس الأفكار الاستشراقية السامة ،وإقناع المسلمين بها،مثل الموسوعة الإسلامية التي أصدرها المستشرقون بعدة لغات حتى أصبحت مرجعا لكثير من المثقفين المسلمين ، وكذلك الموسوعات العامة كالموسوعة الفرنسية(لاروس)، والموسوعة البريطانية[9].
ومن خلال هذا يتضح لنا العلاقة الوطيدة بين الاستشراق والتنصير ، فإن الاستشراق بدأ بالرهبان والقساوسة النصارى الذين كانوا يهدفون إلى تنصير المسلمين عن طريق تحريف دينهم وتشويه معالمه .
v الصحافة :
ركز المنصرون على الصحافة وقد اعترفوا بأنهم استغلوا الصحافة المصرية على الأخص للتعبير عن الآراء المسيحية ،أكثر مما استطاعوا في أي بلد إسلامي،ولقد كان اعتماد المبشرين على نشر كتبهم وصحفهم على مدينتين كبيرتين هما : القاهرة وبيروت [10].
والذي يظهر أن هذه الوسيلة لم تنجح في تحقيق أهداف المنصرين في البلاد العربية نظرا للأمية المتفشية وقلة المتعلمين من جهة , ومن جهة أخرى رسوخ العقيدة في صدور الناس.
v إحصائيات :
“وتشير إحصائيات عام 1999 م إلى أن عناوين الكتب التي تمت طباعتها تقدر ب:24.800 عنوان ،أما إحصائيات عام 2004 م فتذكر الإحصائيات أن عدد الكتب النصرانية التي تمت طباعتها 5.543.000 كتاب ، وعدد المجلات الدورية النصرانية بلغ 41.000 مجلة ،وعدد الأناجيل الموزعة في هذا العام 65.166.000 إنجيلا،فضلا عن النسخ الصوتية التي يجري تسجيلها على أشرطة صوتية من اجل الأميين ،أو المطبوعة بالأحرف البارزة(طريقة برايل )للمكفوفين”[11].
ثانيا: البث الإذاعي:
لاشك إن الاهتمام بالإذاعة عن طريق (الراديو)على وجه الخصوص كان له ما يبرره لأنها الوسيلة المثلى لمخاطبة الجماهير العريضة على اختلاف مستوياتها الثقافية والتعليمية والعمرية فضلا عما تتمتع به من قدرات كبيره على الانتشار والتغطية لمساحات شاسعة من الكرة الأرضية متخطيه حواجز الرقابة -التي قد تفرض على المطبوعات – والأمية في آن واحد كما إن في اعتمادها على الصوت سواء كان بشريا أو أصواتا موسيقية يجعلها أقوى تأثيرا من الوسائل المطبوعة مما حدا بعشرات الهيئات والمنظمات الإذاعية المسيحية بإنشاء المحطات الإذاعية التنصيرية,ولعل أبرزها المؤسسات التالية:
1) الرابطة الكاثوليكية للراديو والتلفزيون وهي تضم مائة محطة إذاعية .
2) الرابطة العالمية للإذاعة المسيحية : كانت هي البديل الذي حل محل اللجنة التي أنشأها مجلس الكنائس العالمي عام 1961 م.
3) جمعية التنصير العالمية بالراديو : وهي جمعية بروتستانتية في أمريكا تتولى الإشراف وإدارة عدد من المحطات التنصيرية الدولية في مقدمتها إذاعة (مونت كارلو).
وبالرغم من عدم وجود إحصاء دقيق لعدد المحطات الدينية التنصيرية في العالم إلا أن أهم ما يلفت النظر في هذا الصدد أن هناك أربع عشر محطة تنصيرية تبث إرسالها باللغة العربية على مدى 1500 ساعة أسبوعيا[12] .
وإليك بعض أسماء المحطات الإذاعية المعروفة :
1) إذاعة راديو الفاتيكان :يذيع برامجه بأربع وثلاثين لغة .
2) إذاعة حول العالم (موناكو).
3) إذاعة صوت الغفران : من برامجها ترتيل الإنجيل على غرار أسلوب وطريقة تلاوة القرآن الكريم ، وهي تغطي العالم العربي كله .
4) إذاعة صوت الحق.
5) استطاع المنصرون الاستفادة من بعض الإذاعات في نشر مذهبهم مثل هيئة الإذاعة البريطانية ،عبر تقديم برامج تعليم اللغة الانجليزية للناطقين بالعربية ،فكانوا يتوجهون بالسؤال للمستمع عما إذا كان يرغب في نسخة من كتاب يحتوي على اللغة الانجليزية والعربية ليرسل له نسخة من الإنجيل بالعربية والانجليزية[13] .
ثالثا :البث التلفزيوني:
يعتبر التلفزيون –والقنوات الفضائية- من أخطر الوسائل الإعلامية أثرا ،لأنه يجمع بين الرؤية والصوت والحركة ،مما يجذب الانتباه أكثر من غيره ،ومما يؤكد على أهمية هذه الوسيلة لدى المنصرين إعلان الفاتيكان عن مشروع يهدف إلى إقامة اكبر محطة تلفزيونية تنصيرية ،تنقل تعاليم المسيح إلى شتى بقاع الأرض ،ويعتمد المشروع في أدائه على ثلاثة أقمار صناعية كبيرة[14].
اعتمد المنصرون في بث دينهم عبر التلفزيون على طريقتين :
· الطريقة الأولى :
بث برامج دينية نصرانية داخل قنوات عامة ،سواءا كانت إخبارية أو اجتماعية ،ويمكن التمثيل على ذلك بقناة LBC اللبنانية فهي محسوبة لصالح موارنة لبنان ،وفي وقت من الأوقات كان المنصر (بات روبرتسون)يمتلك معظم أسهم هذه القناة.
· الطريقة الثانية :
إيجاد قنوات فضائية مستقلة لغرض التنصير ونشر الدين النصراني ،وقد أنشأوا عدة قنوات فضائية ناطقة باللغة العربية ،بلغت ثماني قنوات من أبرزها قناة الحياة ،وقناة سات(7) [15] .
مما يوضح خطورة هذه القنوات أنه من خلال بحثي عن مراجع حول التنصير في إحدى المكتبات اشتكى لي احد الموظفين في تلك المكتبة من قناة تبث على القمر الأوربي (الهوت بيرد) تدعو إلى النصرانية عن طريق تلاوة بعض الآيات من القرآن الكريم بصوت أحد القراء المعروفين ،ثم يعلقون على الآيات ويدسون شبههم في تلك التعليقات ،وكانت المفاجئة أن اسم هذه القناة هي (الحياة) !.
رابعا: شبكة الانترنت :
مع ظهور شبكة الانترنت ،بدأت منظمات التنصير التفكير في استغلال هذه الشبكة لتنصير العالم ،فقد قاموا بإنشاء (اتحاد التنصير عبر الانترنت )والذي يعقد مؤتمرا سنويا عاما يحضره ممثلو الإرساليات التنصيرية .
وقد أثمر هذا النشاط التنصيري من خلال هذه الشبكة العنكبوتية آلاف المواقع التنصيرية التي تفوق عدد المواقع الإسلامية بعشرات المرات ،فالإحصائيات تؤكد أن عدد المواقع التنصيرية تزيد على المواقع الإسلامية بمعدل 1200 % ،كما أن من أخطر وسائلهم على شبكة الانترنت استغلالهم لغرف البالتوك ،فقد أنشأوا لهم غرفا يتحادثون فيها ويطعنون علانية بالنبي محمد ز،،ويلعنونه ويشتمون دينه [16]،كما كانت هناك غرفا للدعوة إلى النصرانية ونشرها. وقد حدثني أحد الفضلاء بأنه كان يدخل في هذه الغرف فإذا أراد الرد والذب عن الإسلام فإنه يطرد فورا من الغرفة ،وأما إن كان المشارك من عوام الناس الذي قد يرجون قبوله لدعوتهم فإنهم يتحاورون معه رغبة في تنصيره وإضلاله.
على أن هذه الوسيلة قد خدمت المنصرين خدمات جليلة ،فعن طريقها يمكن نشر المطبوعات بأنواعها ،وكذلك بث الإذاعات النصرانية ،ويوجد لكل قناة فضائية موقعا على شبكة الانترنت ،إضافة إلى سهولة التواصل عبر البريد الالكتروني.
ý الخاتمة :
بعد ما استعرضنا جهود المنصرين في الإعلام ،وأدركنا ضخامة وجسامة أعمالهم في هذا المجال ،بقي أن نذكر أنه على الرغم من ضعف المسلمين وتخاذلهم وقلة حيلتهم إلا أن المستقبل للإسلام وأن هذا الدين باقي الى قيام الساعة وأن الله قد تكفل بحفظه ورعايته ،غير أن هذا لا يدفعنا إلى التقاعس والكسل ولكن لابد من نشر هذا الدين ودعوة الناس إلى الدخول في حياضه ،نسأل الله عز وجل أن يصطفينا للقيام بهذه المهمة وتبليغ دينه إلى جميع العالمين .
كتبه / عادل بن صالح صمهود
[1] الإذاعات التنصيرية ،د.كرم شلبي ،ط1 (القاهرة: مكتبة التراث الاسلامي ،1412 هـ) ص59 .
[2] الغارة على العالم الإسلامي ،ا.لوشاتلييه،ترجمة :محب الدين الخطيب،مساعد اليافي،ط1(بيروت:دارالكتب العلمية،1424هـ)ص 29.
[3] التنصير ومحاولاته في بلاد الخليج العربي ،د.عبدالعزيز العسكر،ط1(الرياض:مكتبة العبيكان ، 1414هـ)ص40-41 .
[4] الإذاعات التنصيرية،ص60.
[5] المرجع السابق،ص61.
[6] التنصير ومحاولاته في بلاد الخليج العربي،ص42-43.
[7] أجنحة المكر الثلاثة،د.عبدالرحمن الميداني،ط5 (سوريا:دار القلم ،1407 هـ)ص108 .
[8] المرجع السابق،ص108.
[9] المرجع السابق،ص132-133.
[10] حقيقة التبشير،أحمد عبدالوهاب،ط1(القاهرة:مكتبة وهبة،1401هـ)ص .
[11] الفضائيات العربية التنصيرية،تركي الظفيري،ط1 (الرياض : مجلة البيان،1428هـ) ص35.
[12] الاذاعات التنصيرية ،ص62-76.
[13] التنصير،علي ابراهيم النملة،ط4(الرياض :مطبعة سفير،1426هـ)ص146.
[14] الفضائيات العربية التنصيرية،ص47-48.
[15] الفضائيات العربية التنصيرية،ص47-52.
[16] المرجع السابق،ص57-60.
عمل رائع، وجهد موفق..
لا تنسنا من المواضيع المتميزة..
أسأل الله لك التوفيق.
By: ماجد on مايو 27, 2008
at 3:13 ص
مواضيع ممتازة, أتمنى أن أرى رسالة ماجستير للكاتب قريبا, ورؤية مواضيع معاصرة.
By: أبو زياد on مايو 28, 2008
at 11:21 م
الله ينصر المسلمين على هؤلاء الكفرة
اللهم إنا نحمدك على نعمة الإسلام
By: عمر الفا on يونيو 14, 2008
at 8:06 م