Posted by: adelsamhood | مايو 30, 2008

الاستشراق والتنصير

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد،،،
يقرر كثير من الباحثين الذين درسوا أهداف الاستشراق أن الهدف الديني يقف على قمة هذه البواعث، وعلى رأس هذه الأهداف الدينية الهدف التنصيري.
ذلك أن العلاقة بين الغرب والإسلام قائمة على ” صراع ” ديني ظهر واضحا أثناء الحروب الصليبية التي امتدت قرنين من الزمان من سنة 489 ـ 691 هـ ، 1095 – 1291 م ، هذا مع الأخذ في الحسبان الرأي القائل أن هذه الحروب لما تنته بعد، ولن تنتهي مصداقا لقول الباري عز وجل:{ وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ } .

تعريف الاستشراق

لغة: مأخوذ من جهة الشرق.
اصطلاحاً: هو اتجاهٌ فكريٌّ يُعنى بدراسة حضارة الأمم الشرقية بصفة عامة وحضارة الإسلام والعرب بصفة خاصة ، وقد كان مقتصراً في بداية ظهورِهِ على دراسةِ الإسلامِ واللُّغةِ العربيةِ ، ثم اتسعَ ليشملَ دراسةَ الشَّرقِ كُلِّهِ ، بلغاتِهِ وتقاليدِهِ وآدابِهِ.
فالمستشرقون: هم علماءُ الغربِ الذين اعتنَوا بدراسةِ الإسلامِ واللُّغةِ العربيةِ ، ولُغات الشَّرقِ وأديانه وآدابه .

نشأة الاستشراق:
أما نشأة الاستشراق فإن من الصعوبة بمكان تحديد وقت معين لبدايته فأغلب الكتاب والباحثين قد خاضوا في تحديد تاريخ نشأة الاستشراق.
فهناك بعض الباحثين يشيرون إلى أن الغرب النصراني يؤيد بأن هناك استشراقا غير رسمي قبل صدور مجمع (فينا) الكنسي عام 1312م، عندما أُنشئت العديد من كراسي اللغة العربية في العديد من الجامعات الأوروبية، فهذا التاريخ يدل على وجود استشراق كبداية رسمياً.
ويرى بعض علماء الغرب أن بداية الاستشراق تعود إلى القرن الثاني عشر الميلادي والذي تمت فيه لأول مرة ترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللغة اللاتينية، في حين يرى البعض الآخر أن الاستشراق قد بدأ في القرن العاشر الميلادي. وهذا يدل على وجود اختلاف كبير في تحديد زمن بدايته.
وفي القرن الثامن عشر الميلادي ظهر الاستشراق بصورته العلمية والفكرية الأكيدة حيث ظهر في إنجلترا ثم في فرنسا ثم بعد ذلك أدرج مفهوم الاستشراق بمعناه الحالي في قاموس الأكاديمية الفرنسية عام 1838م.

خطورة الاستشراق:
إن للمستشرقين وسائل فكرية مختلفة، يتبين من خلالها خطر الاستشراق على الأمة الإسلامية، وتعود الوسائل الفكرية الرئيسة التي استخدمها المستشرقون لهدم الإسلام، وتجزئة المسلمين، وتشويه تاريخ الأمة الإسلامية، وتشويه حاضرها، وخداع أجيال هذه الأمة بنبذ الإسلام واتباع مناهج وأساليب الحضارة المادية المعاصرة، إلى الأصول التالية:

* التشكيك في مصادر الدين.
* التشكيك في صحة نبوة النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
* إلقاء الشبهات حول أحكام الإسلام التشريعية ومصادرها.
* تزيين الافكار البديلة.
* افتراء الأكاذيب واختراع التعليلات والتفسيرات الباطلة.
* التلطف في دس السموم الفكرية بصورة خفية ومتدرجة .

هل كل مستشرق منصر ؟
إن مسألة ارتباط الاستشراق بالتنصير مسألة مسلم بها من المستشرقين أنفسهم، قبل التسليم بها من الدارسين للاستشراق من العرب والمسلمين، ولكن من غير المسلم به ربط الاستشراق كله بالتنصير، وربط التنصير كله بالاستشراق، فالاستشراق ليس كله تنصيرا، والتنصير ليس كله استشراقا ، وبالتالي فإنه يمكننا القول أن ليس كل مستشرق منصرا، كما أنه ليس كل منصر مستشرقا.
ومن المعلوم أن المستشرقين ليسوا جميعا ممن ينتمون إلى النصرانية دينا، ففيهم:
ـ المستشرقون اليهود الذين خدموا اليهودية من خلال دراساتهم الاستشراقية، فهناك انتساب صريح للصهيونية عند فئة من المستشرقين.
ـ كما أن فيهم الملحدين الذين خدموا الإلحاد من خلال اهتمامهم بالمنطقة العربية والإسلامية، ومحاولاتهم نشر الإلحاد في هذه البقاع بديلا عن الإسلام .
ـ وهناك انتساب واضح إلى العلمانية عند فئة أخرى من المستشرقين.
ـ مما يعني أن هناك انتساب صريح للتنصير عند فئة ثالثة من المستشرقين .
حيث وجد جمع من المستشرقين هدفوا من دراستهم للشرق إلى تعميق فكرة التنصير في هذا المجتمع ، وحاولوا بطريقتهم العلمية تحقيق مفهوم التنصير، مع ما تعرض له هذا المفهوم من تحوير، لا سيما عندما يكون موجها لمجتمع متدين كالمجتمع المسلم، وبما يحمله المفهوم من حماية النصارى من الإسلام، والحد من انتشاره بين النصارى وفي مواطنهم، ومن ثم الحد من انتشاره بين غير النصارى في مواطنهم أيضا، كما يمكن أن يكون من الأهداف الدينية التنصيرية السعي إلى توحيد الكنيستين الشرقية والغربية ، الأمر الذي يستدعي وجود الاستشراق والإفادة منه في هذا الشأن .
ومن هذا المنطلق يفهم التوجه إلى تعريف المستشرقين بأنهم: ” الذين يقومون بالدراسات في بلاد الشرق من غير الشرقيين، ويقدمون الدراسات اللازمة للمبشرين، بغية تحقيق أهداف التبشير، وللدوائر الاستعمارية بغية تحقيق أهداف الاستعمار ” .

مؤيدات الهدف التنصيري للاستشراق:
إن النظرة إلى الاستشراق التنصيري لا تحتاج إلى شيء من التعسف أو تلمس البراهين لتأييد وجود منصرين مستشرقين، إلا أننا سنعرض عدة عوامل مهمة تؤيد وجود هذا الهدف لدى كثير من المستشرقين، ومن أبرزها :
1ـ أن فئة من المستشرقين لم تتورع عن قبول اللقب الديني، أو الرتبة الدينية ” الأب ” أو ” الأسقف ” أو ” البطريرك ” أو ” المطران “، سابقا للاسم الأصلي.
فإن طلائع المستشرقين من النصارى كانوا ذوي مناصب دينية، وأنهم قد انطلقوا من الكنائس والأديرة ، ويعود هذا إلى النصف الثاني من القرن الرابع الهجري ، القرن العاشر الميلادي .
2ـ أن أساس العلاقة بين الشرق والغرب قد قامت على العداء الديني ، ورفض الإسلام بديلا للنصرانية في الشرق وغيره، بما في ذلك حماية النصارى الشرقيين من الإسلام، والتأثير على الأرثوذوكس في الشرق واستقطابهم للكنيسة الكاثوليكية في الغرب .
3ـ أن كثيرا من المستشرقين قد بدأوا حياتهم العلمية بدراسة اللاهوت قبل التفرغ لميدان الدراسات الاستشراقية ، وكان همهم إرساء نهضة الكنيسة وتعاليمها، لا سيما في العصور الوسطى .
4ـ أن أوائل المطبوعات الغربية باللغة العربية قد ركزت على الكتب الدينية النصرانية، وأن أول ما طبعته ليدن من الكتب كان الإنجيل ( 1569 – 1573 م ) .
5ـ أن التنصير قد اتكأ كثيرا على الاستشراق في الحصول على المعلومات عن المجتمعات المستهدفة، لا سيما الإسلامية في موضوعنا هذا، وخاصة عندما اكتسب مفهوم التنصير معنى أوسع من مجرد الإدخال في النصرانية إلى تشويه الإسلام والتشكيك في الكتاب والسنة والسيرة وغيرها .
6ـ أن البداية ” الرسمية ” للاستشراق قد انطلقت من مجمع فينا الكنسي سنة 712 هـ 1312 م ، الذي نعرف الآن أنه قد أوصى بإنشاء عدة كراسي للغات، ومنها اللغة العربية .
وينقل عبد اللطيف الطيباوي عن ” رادشل ” في كتاب له عنوانه : الجامعات في أوروبا في القرون الوسطى أن ” الغرض من هذا القرار كان تنصيريا صرفا وكنسيا لا علميا ” .
7ـ أن الاستشراق قد استشرى ونال رعاية الكنيسة ومباركتها عندما ثبت فشل الحروب العسكرية من خلال انحسار المد الغربي الصليبي بعد جهود قرنين من الزمان، فاتجهت الكنيسة الغربية إلى التنصير من خلال الفكر والثقافة والعلم، فكان التوجه إلى ما نسميه اليوم بالغزو الفكري في تحقيق ما فشل فيه سلاح الغزو الحربي . هذا الغزو الذي اتخذ من الاستشراق منطلقا له، سعى من خلاله إلى تشويه الإسلام بطرق شتى، وسعى إلى ” إقناع المسلمين بلغتهم ببطلان الإسلام، واجتذابهم إلى الدين النصراني ” . وهذا مما أدى إلى الاستنتاج القائل أن التنصير هو الأصل الحقيقي للاستشراق ، ” وليس العكس صحيحا كما يذهب أغلب الباحثين ” .

أهداف أخرى للاستشراق:
1) الهدف الاستعماري أو التسلطي: إن الاستشراق في الأصل أحد الفروع العلمية المرتبطة بالعلوم الاستعمارية في فرنسا وفي بريطانيا العظمى، فقد كان المطلوب إجمالا فهم العقلية الإسلامية فهما جيدا لتسهيل الإدارة الاستعمارية للشعوب الإسلامية.

2) الهدف العلمي: فقد تأتي بعض الدراسات لغرض علمي وهو الإفادة من الجوانب المشرقة في تاريخ الشرق كالوقوف علي تاريخ العلوم التي ازدهرت في رحاب الحضارة الإسلامية أو الوقوف على حلقات غامضة من تاريخ الحضارة الأوربية، ولكنها تتضح من خلال معرفتهم بتاريخ الحضارة الإسلامية ومن ذلك محاولتهم الوقوف علي تاريخ اليونان والرومان في المصادر الاسلامية0
نماذج من المستشرقين المنصرين
من أهم الكتب التي ذكرت تراجم المستشرقين كتاب ( المستشرقون ) للمؤلف نجيب العقيقي، والذي يعد ثروة نافعة خلفها المؤلف للمكتبة العربية، حيث ذكر وترجم لعدد كبير جداً من المستشرقين.

ومن هؤلاء المستشرقين المنصرين:

* لول ، ريموند ( 1235 – 1316 م ) .
إسباني، تبنى فكرة السيطرة على الشرق بالتنصير لا بالحروب، ووضع خطة لذلك، وسعى إلى إنشاء مدرسة ميرامار للمنصرين، ثم تواصلت محاولاته لإنشاء مدارس تنصيرية أخرى، ومارس التنصير في شمال إفريقية، وبها توفي، وكان وراء قرار مجمع فينا الكنسي المشهور سنة 1311 – 1312 م ، الذي قضى بإنشاء كراسي للغات، ومنها اللغة العربية، من آثاره : رواية تنصيرية ، وكتاب المنطق في الحوار مع الكفرة.

* أبوجي ، الأب ( 1819 – 1895 م ) .
من الرهبان اليسوعيين، فرنسي، صنف كتبا دينية ومدرسية، توفي في لبنان.

* بالجريف ، وليم ( 1826 – 1888 م ) .
إنجليزي ، من الرهبانية اليسوعية في لبنان، رحل إلى الجزيرة العربية بمعية بطرس الجريجيري بطريرك الملكيين الكاثوليك، واشتغل بالتنصير بالدبلوماسية والتجسس، طرد من جزيرة العرب بعد أن انكشف أمره، كان يهدف إلى تنصير المسلمين في وسط جزيرة العرب ممن يسميهم المستشرقون بالوهابيين، تعلم التنصير في بيروت، وأجاد العربية، ومن آثاره : رحلتي إلى أواسط وشرقي الجزيرة العربية .

* أبو كرم ، نعمة الله ( 1851 – 1931 م ) .
من مستشرقي المدرسة المارونية بلبنان، نصب مطرانا، تخرج من جامعة القديس يوسف ببيروت، وعاون في تحرير مجلة البشير، ثم عين رئيسا للمدرسة المارونية في رومة، ومستشارا في المجمع الشرقي، من آثاره : ترجمة كتاب الفلسفة النظرية للكردينال مرسييه، وقسطاس الأحكام في القانون مع مقارنته بما يقابله في الشرع الإسلامي.
* آسين بلاثيوس ، ميجويل ، الأب ( 1871 – 1944 م ) .
إسباني، اشتهر بدراسة حركة التفاعل الثقافي بين الإسلام والنصرانية، عني بمحيي الدين بن عربي، من آثاره : مذهب ابن رشد ولاهوت توما الإكويني، والإسلام في ثوب نصراني، ومقارنة بين ابن عباد الرندي ويوحنا الصليبي، ومصنف في الغزالي والنصرانية، والآثار الإنجيلية في الأدب الديني الإسلامي.
* ألونسو ، مانويل اليسوعي ، الأب ( م 1893 م ) .
إسباني، تخرج في الجامعة البابوية، درس اللاهوت انصرف إلى دراسة الفلسفة لدى المسلمين، ألف في ابن سينا والفارابي والغزالي وابن رشد، ومن آثاره ألونسو القرطاجي ودفاعه عن وحدة المسحيين.

الخاتمة:
من خلال هذه الدراسة يتبين لنا كيد الأعداء لدين الإسلام من يهود ونصارى وملحدين، وما يبيتونه في الليل، وتقترفه أقلامهم الموتورة وأياديهم المجرمة في النهار، في تشويه هذا الدين ضنا منهم بالهداية، وخنقا من الداخلين فيه أفواجا وفرادى، وسعيا في الغواية وصدق الله ” وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ” .
وإن هذا الأمر يدعونا إلى الحذر منهم ومن كتاباتهم، ونبين مكائدهم وشرورهم، ونقدم هذا الدين بصورته الصحيحة من غير إفراط ولا تفريط، ولا مساومة ولا تخذيل.
كتبه / مروان بن عبد الكريم كنفاني


اترك رداً

ردك:

التصنيفات